السيد كمال الحيدري
36
روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية)
والطاغوت وإن كان مصداقه الأبرز الشيطان إلّا أنّه شاملٌ لأتباعه ومريديه وكلّ حاملٍ لصفاته أو مدافعٍ عن أهدافه ، فأولئك جميعاً من حزبه « 1 » ؛ قال تعالى : إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ( فاطر : 6 ) ؛ فلا يصحّ بعد ذلك اتّخاذه وليّاً . الرسم السادس : إدامة العبادة قال تعالى : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( الحجر : 99 ) ؛ وفي ذلك معنىً عميقٌ ؛ فإنّ إدامة العبادة تقتضي أن نطلب وجه الله تعالى في كلّ أقوالنا وأعمالنا ؛ لا أن نقصر ذلك على الفرائض المعلومة ؛ وقد اتّضح آنفاً أنّ هنالك عبادةً خاصّةً وأخرى عامّةً ؛ وإنّما الديمومة المتوقّعة والممكنة تنسجم مع العبادة بالمعنى العامّ ؛ فلا قابليّة لأحدٍ لإدامة العبادات الخاصّة على مرّ ساعات كلّ يومٍ ؛ فذلك مُخرجٌ عن حدّ الاعتدال ، وإنّما المطلوب استحضار الله تعالى في كلّ ما يصدر منّا ، وهذا هو معنى ديمومة العبادة ، بل هو أرقى وجوه العبادة ، ومنه نفهم قوله تعالى : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ( البقرة : 45 ) ؛ لأنّ الصلاة القرآنيّة مشروطةٌ بالخشوع ، فلا جدوى منها بلا ذلك ، فمثل هذه الصلاة ستكون سهلةً يسيرةً لمن كان يستحضر وجود الله تعالى في أقواله وأفعاله ، فهو في خشوعٍ مستمرٍّ ؛ فإذا حلّت الصلاة انتقل من خشوعٍ لآخر ؛ وأمّا غير الخاشعين في رتبةٍ سابقةٍ فسيحتاجون إلى بذل جهدٍ كبيرٍ
--> ( 1 ) ولذلك إن دار الأمر بين متابعة الطاغوت والصيرورة معه - ولو من باب تكثير السواد - وبين الهجرة إلى مكانٍ آخر ، فإنّه من اللازم الهجرة ؛ حفظاً للنفس من الانحراف ، والدين من الإساءة ؛ قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً ( النساء : 97 ) . ( من سماحة السيّد الحيدريّ ) .